أحمد بن محمد ابن عربشاه

169

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

خير وإنعام وبقاء ذكر الزمام على الدهر والأعوام ، ولكن لا أعبر هذه الأحلام إلا بدينار تمام ، فناوله دينارا وأظهر لذلك استبشارا ، فقال له : يولد لك غلام بعد ثلاثة أيام ، فضحك الزمام من هذا الكلام وقال : يا إمام أنا رئيس الخدام ، طواشى « 1 » بلا شيء لا زوجة ولا سرية ، ولا آلة ولا شهية ، فمن أين لي هذه السعادة ولا فرحت بحسن الحسنى فأنّى تحصل هذه الزيادة ، فلا تسخر منى وكف كلامك عنى وأخبرني بتعبير هذا المنام ودع عنك الملام ، فقال : حقا ؟ أقول ، وأنا جربت هذا المقول ، وقد عبرت لك هذا التعبير ولا ينبئك مثل خبير . فقال الزمام : يا أخي دع هذا المقال ، فإن وجود الولد منى محال ، وأنا رجل بي وجع وما بقي في منتجع ، فقال ما ذا تشكو وألمك في أي مكان هو ؟ فقال : في فؤادي أوجاع وفي رأسي صداع . فقال : يا زين من فاخر أعطني دينارا آخر أصف لك أيسر دواء ، يحصل لك منه العافية والشفاء ، فدفع إليه الدينار وطلب منه دواء الدوّار وما بفؤاده من ألم أورثه الوهج والضرم . فقال : يا أبا الفيض ضمد رجلك بعجة بيض مضافا إليها عسل مشتار ، وليكن ذلك مسخنا بالنار ، فاستشاط الطواشى غضبا ، وفار كالنار شواظا ولهبا ، وعرف أنه جاهل وعن طرق العلم غافل فأدبه التأديب البالغ ورده إلى ما كان عليه من منادمة السالغ « 2 » واستمر على كلاحته بعد رجوعه إلى فلاحته . وإنما أوردت هذا المثال يا غول الأغوال ؛ لتعلم أننا إذا اشتغلنا بمناظرتهم اشتظنا « 3 » في محاورتهم ؛ لأنه في دقيق الأسرار وعميق الأفكار وتحقيق الأنظار لا يقاوم أحد جنس الإنسان ، فكيف يستطيع الجان معارضة من أيده الله تعالى برفيع المعاني وبديع البيان فإذا قابلناهم في المباحث بالمعارضة تعود مسألتنا علينا بالمناقضة .

--> ( 1 ) الطواشى : الخصي من الرجال ، يدرب لحماية قصر الحريم . ( 2 ) البهائم . ( 3 ) هزمنا واحترقنا .